الرئيسية » من هنا وهناك » قراءة الموضوع

الشعب والوطن… أيهما غاية… وأيهما وسيلة

2011-10-10 08:26 454 0 تعليق

لا شك بأن الربيع العربي المبارك قد أضفى على الحرية معنى جديد، لطالما كان حلما صعب المنال ترجمته ثقافة اليأس لدى الشعوب العربية من خلال وسائل التعبير الاجتماعية، كالأفلام والمسلسلات والمسرحيات والكتابات الصحفية، والتي عكست الواقع المرير بكافة جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكانت تعرّج دوما على واقع الاستعباد الذي يعيشه المواطن العربي إلى جانب الفقر والعوز والقهر والتي شكلت أبجديات الحياة اليومية له، إضافة إلى استبداد وفساد السلطة التي تحكمه.
وعلى الرغم من أن مبادئ الحرية وحقوق الإنسان مكفولة ومقدسة في الدساتير العربية جميعها، بل وان تفاصيل تطبيقها وحمايتها منصوص عليها في معظم الوثائق القانونية والشعارات السياسية، إلا أنها بقيت عرضة لاجتهاد السياسيين يضيقون الخناق عليها بوسائل متعددة إما من حيث سوء تطبيقها أو عدم تنفيذها بشكل فعال أو بإصدار تشريعات تجّمد تلك النصوص أو تفرغها من محتواها كقوانين الطوارئ أو مكافحة الإرهاب كل ذلك تحت عنوان واحد وهو مصلحة الوطن العليا هذا المفهوم الواسع والذي سخر وجعل من مفهوم الدولة وكيانها المعنوي كائن حي يتنفس وينبض بالحياة له عيون وآذان وله لسان وله يدين يضرب بهما أبناؤه بل ويقتلهم وينزع آدميتهم إذا تطلب الأمر.
فأصبح الوطن والذي هو بالأساس وعاء قانوني معنوي (غير ملموس ) أنشئ من اجل حماية ورعاية مجموعة من البشر اتفقوا برضاهم الكامل الحر على اختيار أشخاص منهم لكي ينظموا شئون حياتهم في إطار ما يسمى بالوطن، إلا أن هذه المعادلة التقليدية خرجت عن مفهومها وغايتها الأصليين وتحولت فيها الغاية إلى وسيلة والوسيلة إلى غاية: فالوطن ليس إلا وسيلة تهدف إلى غاية محددة وهي حماية ورعاية وتوفير سبل العيش الحر والكريم للمواطنين ، إلا أن أطماع أصحاب السلطة وأنانيتهم جعلت من المواطنين وسيلة لحماية الوطن والذي هو في النهاية برجهم العاجي الذي لا يوفر الرفاهية وكافة سبل العيش الكريم إلا لهم هم وأعوانهم وحواشيهم.
فجاء الربيع العربي والذي ذكر بان الشعب أهم من الوطن وهم الرقم الصعب في معادلة وطن شعب سلطة إلا أن المضحك المبكي في الموضوع أن الثورات الشعبية قامت لكي تتخلص والى الأبد من المفهوم السلطوي والذي يجعل الشعب وسيلة لتحقيق مصلحة الوطن والسلطة والتي اندمجت في مصطلح الدولة وما زال الكثير من أصحاب ثقافة العبودية للسلطة يتذرعون ويبررون عدائهم المبطن لتلك الثورات المباركة بحجج صاغوها على هيئة خوف على الوطن ومقدراته وأصبحوا يشكلون عائقا في سبيل إعادة تعريف معادلة (شعب-وطن-سلطة) إلى مفهومها الحقيقي ولا يخفى على احد بكائهم وعويلهم خوفا على الوطن وهم في الحقيقة يبثون السموم لقتل تلك الثورات ووأدها في مهدها.
وبناءا عليه فلا بد أن يعاد النظر بهذه المعادلة لكي يفهم أصحاب العقيدة السلطوية بأن الشعب هو الأساس أما الوطن فهو وسيلة أوجدت من اجل ضمان حياة كريمة للشعب عمادها الحرية والتي لا بد أن يكون لها معنى قانوني واضح يرسخ حقيقة أن الشعب وحريته وكرامته أهم وأبقى من الوطن ولا مجال للمفاضلة بين الغاية والوسيلة، ولقد ورد في الدستور الأمريكي نص يتضمن هذا المفهوم ولو بشكل غير مباشر والتي منعت وبشكل قاطع على الكونغرس إصدار أي تشريع مهما كان شكله من شأنه أن يقيد الحريات .
إن الحرية حق طبيعي وأصيل لا تمنحه القوانين الوضعية وإنما تصونه وتحميه، والنص على الحرية في أي وثيقة قانونية لا يعد منشأ لهذا الحق وإنما كاشفا عنه ومؤكدا عليه ، ولا يحق لأي حاكم أن يدعي أو يفاخر بمنح الحرية ، فهي من مكونات الكرامة الإنسانية التي منحها الله جل وعلا للإنسان منذ بدء الخليقة بقوله تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) صدق الله العظيم.

قيس عمر المعيش العجارمه

التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شارك التعليقات

  1. لا توجد تعليقات الأن.

التعليقات

تواصل معنا