الرئيسية » من هنا وهناك » قراءة الموضوع
المواطنة لا تجتمع مع نظام الملل والطوائف
ها هم الأقباط يفضّون اعتصامهم من منطقة ماسبيرو بالقاهرة. ولا شك أن كل نشطاء وفاعلي الثورة المصرية وكل المستنيرين من شعب مصر يقفون مع الأقباط صفا واحدا في كل مطالبهم المشروعة، كالحق في بناء دور العبادة والحق في تولي كافة المناصب الحكومية، بما فيها رئاسة الجمهورية نفسها. فأقباط مصر – كمسلميها تماما – جزء أصيل من شعب مصر له كل ما للمسلمين من حقوق وعليهم كل ما على المسلمين من واجبات. وتلك هي الدولة الحديثة التي يجب أن نُصّر جميعا على بنائها في مصر، دولة المواطنة وسيادة القانون، التي لا تعرف التمييز بين مواطنيها، وتكفل للجميع الحقوق والحريات كافة التي تكفلها الدولة الدولة الديمقراطية الليبرالية.
لكن دولة المواطنة تقوم على المواطنين وليس الرعايا، وعلى المواطنة وليس نظام الملل والطوائف. فالمواطنة، كمفهوم وممارسة، جاءت بديلا عن وضعية الرعية ونظام الطوائف والملل في الكيانات السياسية ما قبل الحديثة. ولا يصلح، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن نجمع في دولتنا الجديدة بين المواطنة ونظام الطوائف والملل.
يرجع نظام الطوائف والملل في منطقة الشرق الأوسط إلى زمن الدولة العثمانية، وإن كان من الظلم إن نقصره على العثمانيين ودولتهم، فنفس النظام كان متبعا في أوروبا ما قبل الحديثة مع كل الأقليات الدينية. لم تكن الدولة العثمانية تبتغي من خلال نظام الملل والطوائف أن تنتقص من حقوق وحريات الجماعات المختلفة دينيا، خاصة في أواخر أيامها التي حظيت فيها الجماعات المختلفة دينيا بحقوق وحريات كثيرة، حتى وإن كان ذلك بفعل استخدام القوى الغربية لورقة الأقليات الدينية للضغط على الدولة. بينما كان الهدف الحقيقي من النظام هو أن تجد الدولة من تتحدث معه نيابة عن هذه الجماعة أو تلك. فمن الأسهل على الدولة ما قبل الحديثة بالطبع أن تتعامل رؤساء الجماعات المختلفة عن التعامل مع كل أفراد هذه الجماعات. حتى أن الدول ما قبل الحديثة استخدمت نفس الآلية للتعامل مع أفراد الجماعات الحرفية والمهنية عبر مؤسسة الطوائف الحرفية.
وعلى ذلك فقد كان رؤساء الجماعات الدينية يُعامَلون من جانب الدولة، وكذلك من جانب أفراد جماعتهم أو شعبهم أو حرفتهم، باعتبارهم الممثل الشرعي للجماعة أو الشعب أو الحرفة. فكانوا بمثابة الوسيط أو حقلة الوصل بين الدولة والفرد. وتلك وظيفة تُذكّرنا بكل الأبنية الاجتماعية الأهلية ما قبل الحديثة، من أشهرها القبيلة.
وقد جاءت الدولة الحديثة، الديمقراطية أو الشمولية على حد السواء، لتزيل على تلك الأبنية الاجتماعية الوسيطة. فالدولة الحديثة لا تقبل بوساطة بينها وبين المواطن، أو الرعية لا فرق. ولعل ذلك كان أحد أسباب تهميش المؤسسة الدينية، وكل الأبنية الاجتماعية الوسيطة، في كل الدول الحديثة، أيضا الديمقراطية الليبرالية أو الاستبدادية الشيوعية. فالدولة الحديثة، كما لا تقبل أن يحمل أحد غيرها السلاح على أراضيها، لا تقبل أن يمارس أحد سلطة سياسية على مواطنيها من خارج مؤسساتها وأجهزتها. فالدولة الحديثة تحتكر القوة السافرة والأيديولوجية، ولا تقبل أن يشاركها أحد فيها. ليس معنى ذلك أن الدول التي تفعل ذلك دولا استبدادية، وإنما معناه أن الدولة تسعى إلى تذويب الفوارق والحواجز بين مواطنيها، على أمل أن تتعامل معهم جميعا على قدم المساواة.
لذلك لا يجوز أن تجتمع البنى الاجتماعية الوسيطة ما قبل الحديثة، ومنها نظام الملل والطوائف، مع بنى ومؤسسات الدولة الحديثة، وعلى رأسها المواطنة. لكن نظام مبارك المستبد، ومن قبله نظام السادات، كان يجد أن من الأسهل عليه أن يتعامل مع الأقباط من خلال قياداتهم الدينية. وهي طريقة في التعامل لا تُستغرَب على نظام حكم مستبد يقايض ببعض سلطته مع زعامات وسيطة في مقابل تثبيت أركان حكمه.
لكن دولة مصر الحديثة الديمقراطية، دولة القانون والحقوق والحريات، إن شاء الله، لا مكان فيها للبنى الاجتماعية الوسيطة، وعلى رأسها نظام الملل والنحل. فالمواطنة التي تظلل المصريين المسلمين والأقباط، لا تترك مجالا أو حاجة إلى أمثال هذه البنى وتلك المؤسسات. معنى ذلك أن أقباط مصر، كمسلميها، أصبحوا مواطنين للدولة المصرية فقط، أو أولا فحسب وبعد ذلك تأتي الانتماءات الأخرى. ومعنى ذلك أن الفعل السياسي المدني المخطط في الخلاء وفي الشارع ومن جانب مواطنين مدنيين هو المنتظر من الأقباط، بعيدا عن القيادات الدينية.
فمن غير المقبول أن تتعامل الكنيسة مع الأقباط والدولة باعتبارها دولة الأقباط. فلا يوجد في مصر غير دولة واحدة، هي دولة مصر والمصريين جميعا. ومن غير المقبول أن ينقاد الأقباط وراء الكنيسة والقيادات الدينية، دون الدولة والقيادات المدنية العلمانية. وإذا كان الأقباط، ونحن معهم، ننتقد حشر الدين في السياسة من جانب السلفيين والإخوان وغيرهم من الجماعات والأحزاب الأسلامية، فإن ما تفعله الكنيسة لا يقل “سلفية” عما يفعله السلفيون المسلمون.
لقد اختطفت الكنيسة، تماما كما يفعل السلفيون، أجندة الأقباط إلى أهداف ومآرب لا نفع فيها، لا للأقباط أنفسهم ولا لمصر. فلا شك أن مطلب الديمقراطية والحقوق والحريات المدنية ودولة القانون هدف أنفع للأقباط والمسلمين من التباري والتنافس في بناء دور العبادة أو الحرب على إسلام أو تنصر شابة أو امرأة. كما أن دولة القانون، بعد أن تترسخ، ستحمل حلولا جذرية لكل هذه المشكلات التافهة.
كنا سعداء للغاية بمشهد ميدان التحرير الذي ضم المسلم والمسيحي كتفا في كتف، مع العلم بأن الكنيسة كمؤسسة كانت ضد مشاركة الأقباط في الثورة، ولو في بدايتها على الأقل. وهذا هو المكان الذي يجمعنا مسلمين ومسيحيين : الشارع، أي الفضاء العام أو المجال العام، وليس المسجد أو الكنيسة. فالمطالب العامة تُخطّط وتنفذ في هواء المجتمع المدني، وليس في أقبية دور العبادة.
ولن نقبل الدعاوى التي تقول أن الأقباط يتصرفون بعيدا عن الكنيسة. فذلك ليس صحيحا بالمرة. وتلك لعبة تمارسها الكنيسة منذ زمن. أن تخطط وتحرض، وتتنصل بعد ذلك.
وكما كنت أسخط من الدور غير المقبول الذي أعطاه البعض للشيخ محمد حسان أو الشيخ صفوت حجازي، فإن سخطي لم يكن أقل على وجود الكهنة والقسس أمام ماسبيرو. ولا يقولون أنهم يمثلون أنفسم. فلو أرادوا الفعل العام والتدخل في الشأن العام، فليحقلوا لحاهم وينزعوا أردية الدين. فنحن نريد أن نبني دولة مدنية، وليس دولا للملل والنحل. والمجال العام المدني ملك للمدنيين وليس الدينيين، من الجانبين. وليقتصر دور رجال الدين من الطرفين على أمور الدين والعبادة، تاركين للناس الفعل العام والشأن العام.
وأخيرا، فإن أوروبا لم تجمع بين الكنيسة بمفهومها القروسطي ودولة القانون الديمقراطية الحديثة. ولذلك لا بد من ثورة قبطية على الكنيسة، ليعود الأقباط إلى حضن الدولة المصرية الديمقراطية الحديثة. تماما كما يجب إبعاد الفصل بين الدين والدولة عند المسلمين. لكي نوحد أجندتنا وأهدافنا ومواقفنا ومطالبنا، ولكي نكون جميعا مواطنين متساويين لدولة واحدة: دولة مصر.
بقلم: دكتور مصطفى قاسم






















التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شارك التعليقات