الرئيسية » من هنا وهناك » قراءة الموضوع
لا ينامون … وما زالوا جرحي بدون علاج
قد يظن القارئ منذ الوهلة الأولي للعنوان، أنني أتحدث عن تراجيديا القصة الشهيرة لإحسان عبد القدوس المعنونة بلا أنام، ولكنني أتحدث للأسف عن واقعية حقيقية لقرابة 3 مليون طفل مصري فقدوا طعم النوم وسعادة الأحلام، وسط قسوة الظروف وجهل المحيطين بحقوقهم المشروعة واللازمة لبناء شخصياتهم الإبداعية لقيادة الوطن، فهؤلاء الأطفال يعايشون مشكلات عديدة ومشتركة فما بين العمالة دون السن القانونية، وما يحيط بها من عنف بدني وإهدار للكرامة لاستغلال ضعف الطفل وعدم إدراكه، وما بين حقيقة ملازمة لذلك وهي التسرب من التعليم لأجل العمل، وبالتالي فإن ذلك يكشف لنا ضعف الدخل وهو ما ينجم عنه سوء التغذية والمشكلات الصحية المتعددة، ويؤدي بنا في نهاية المطاف لمشكلات اجتماعية متعددة لهؤلاء الأطفال.
“تغريد على” ، واحدة من هؤلاء، وهي طفلة صغيرة في عمر الثالثة عشر ربيعاً، تستيقظ في الخامسة صباحاً لتقوم بمجاراة أعمال رجال كبار في حراثة الأرض بالطريقة البدائية توفيراً لثمن الآلة الزراعية، وتظل في هذا الأعباء حتي الواحدة ظهراً وسط لهيب الشمس الحارقة، حتي ترجع لأسرتها ببضع جنيهات يتم ضمها مع جنيهات باقي أخواتها، لتوفير ثمن وجبات الطعام التي تتراوح بين الجبن القريش أو الباذنجان المقلي.
لا تعرف هذه الطفلة معني التعليم والثقافة والفكر، كما تفتقد تماماً لكلمة الإرادة، وتجهل نهائياً معني الترفيه، بل وحتي أساسيات الحياة وشكل الكون للدرجة التي تجعلها لم تري في حياتها شكل مدينة العاصمة، حيث تعيش في أقاصي صعيد مصر، وهنا تأتي معاناة آخري ليست بأقل من سابقتها، حيث عنف وضرب وقسوة الأسرة ضدها، للإصرار على أن تأتي بسلوكيات الراشدين وهي في عمر الزهور، وهي في ذلك تقع رحمة سطوة الذكور وتعذيبهم لها بين التحكم المطلق في كل حركة وإيمائة اعتقاداً خاطئاً بخطورة تكوين العقل الحواري لهذا الطفلة، ولتظل دائماً بلا شخصية، فتكون رهناً للتعليمات والأوامر، وتظل هكذا الفتاة محرومة من التعليم حتي يأتي عامها الرابع عشر فيتم تزويجها من أحد الرجال كبار السن ممن سبق له الزواج، وذلك ليتثني لأسرة الطفلة الهروب من التزامات الأفراح، وكذلك عدم المبالغة في مطالب التجهيز.
بالطبع لن تصدق هذه القصة، إلا أن رأيتها في قريتي بمركز منفلوط حيث محافظة أسيوط بأقاصي صعيد مصر، وهي حالة من بين مليون حالة زواج مبكر للأطفال في مصر حسب دراسة مجلس السكان الدولي والتي أوضحت أن 62% من هؤلاء الفتيات أجبروا على الزواج من أشخاص معينين بسبب الحالات الاقتصادية والاجتماعية للأسر، وكان الآباء أصحاب الكلمة الأولي والأخيرة في هذا الشأن.
وتعيش هذه الطفلة في نفس ظروف 3 مليون طفل عامل يتعرضون لحالات العنف النفسي والجسدي بشكل يومي، ولا يصل منها لمحاضر الشرطة إلا ما هو في غاية الخطورة ويبلغ 311 حالة سنوياً
ولا يقتصر أمر عمالة الأطفال عند العمالة الزراعية الشاقة، بل تسيطر عمالة الأطفال على الأسواق، وورش الصناعات الحرفية مثل النجارة والحدادة وإصلاح السيارات، وتحصيل أجرة المواصلات، وغيرها من الأعمال المهينة والتي تتطلب راشدين، وهو ما يجعل هؤلاء الأطفال عرضة للإيذاء البدني والنفسي، وكلنا يري ما يلقاه صبي الميكانيكي والنجار من معاملة مهينة وضرب وسباب مستمر، وقد كنت شاهدت على العشرات من هذه الحالات والتي رفض فيها الأطفال اللجؤ للقانون لجهلهم وخوفهم على مصدر رزقهم، والأصعب مرارة هو رفض أهاليهم لذلك لفهمهم الخاطئ بأن ذلك يبني شخصيات أطفالهم وليس يدمرها.
فربما تكون تغريد أفضل حالاً من صبي اليمكانيكي، أو بائعات المناديل المعرضة للإغتصاب، وغيرهن من اطفال الشوارع وهي الظاهرة التي غدت تجتاح كافة المدن المصرية بتعداد لعمالة الطفل يتجاوز 2 مليون طفل بحسب تقدير الهيئة العامة لحماية الطفل، بينما يقدر عددهم بعشرة ملايين في الوطن العربي حسب تقديرات المجلس العربي للطفولة .
وفي ذلك قصة الطفل “على” الذي لا يزيد عن 7 أعوام وآراه في طريق ذهابي لوسط مدينة أسيوط يحصل أجرة الميكرباص بينما يواجهة القسوة والمعاناة في تجميع الأجرة فيواجه بسخرية بعض الركاب من ضعفه وأو طوله أو عمره، للدرجة التي يتطاول أحدهم عليه بالسباب والوخذ لأبسط وأتفه الأسباب الخارجة عن إرادته كطفل، كتلك المعنية بشرود الذهن نتيجة ضعف التغذية، ووسط كل ذلك يجد عنفاً آخر من السائق، ربما هؤلاء الممارسين للعنف ضد هذا الطفل يعانون بعض الضغوط النفسية فيقومون بتفريغ شحنة توتراتهم اليومية في هذا المسكين، وفي نهاية المطاف يتحول بعض هؤلاء الأطفال جراء العنف إلي سلوكيات خطيرة تدمر ببناء المجتمع وقيمه، فلا شك من تأثيرات العنف على سلوكيات الأطفال سواء من تعاطيهم للمواد المخدرة، وعدم إحساسهم بالإنتماء للمجتمع، ونمو الإجرام لدي البعض منهم في إطار الإنتقام من هذا المجتمع، فضلاً عن انتحار البعض الآخر منهم، أوضياع قدرته الانتاجية والإبداعية، أو إصابتهم بالأمراض الجنسية والنفسية والبدنية والصحية المتنوعة، ليصحبوا عالة مدمرة على أجهزة الحكومات، ولتدفع هذه الحكومات الثمن الباهض لإهمالها بمليارات تنفق في قطاعات الصحة والامن لمواجهة ظواهر هي المتسبب الرئيسي فيها. فهل يمكننا ترشيد الأمر والإنفاق المبكر لتلافي هذه الكوارث، وهو يوجد من يستطيع أن يأخذ حقوق هؤلاء الأطفال البائسين؟ .
فللأسف الشديد فإن مصر من الدولة الموقعة على مكافحة أسوا أشكال عمالة الأطفال، والمحتمة لمنع التشغيل دون الـ 16 عاماً، وهي في ذلك مثل دول عربية أخري عديدة تعاني من مشكلة عدم تطبيق القوانين كتونس والمغرب وسوريا والأردن ولبنان والسودان، وتنتشر بها هذه الظاهرة، فالحكومات تري ترضية جاهلة للشعوب الفقيرة بالتغاطي عن عمالة الأطفال وفي الوقت ذاته التغاطي عن مستقبل زاهر ينتظرها حيال الأهتمام بهؤلاء الأطفال ورعايتهم النفسية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، في عدم وعي بخطورة صناعة أجيالاً مبدعة تستطيع أن تجلب لأمتها الحضارة وصناعة نهضتها التنموية.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل بعد نجاح الثورات العربية، وزوال الحكومات الاستبداية التي همشت حقوق الشعوب، وأهملت أخطر قضاياها مثل معالجة الفقر والتعليم من أجل توفير أموال لأجهزتها الأمنية الداعمة لاستقرارها، هل يمكننا إيجاد حكومات جادة في رعاية الطفل نفسياً واجتماعياً واقتصادياً، وحكومات جادة في تطبق قوانين حماية الطفل ومنع عمالة الأطفال، وفي الوقت ذاته إيجاد الآليات الملائمة لإلزامية التعليم ومجانيته، ووضع حوافز وعقوبات على الأهالي الفقراء، مع وضع الية ثقافية وإعلامية تستطيع أن تكافح السلوكيات والمعتقدات الخاطئة لدي الكثيرين من هؤلاء الأهالي خاصة وتخطي نسبة الأمية لحاجر الـ 40% كمفسر لسلوكياتهم الرجعية تلك تجاه أطفالهم، هل يمكننا أن نجد الحكومات الواعية بخطورة البناء الثقافي والاجتماعي للطفل المصري في القري والعشوائيات أي ما يربو على ثلثي أطفال مصر والذي ظل عقوداً طويلة يعاني سياسات التعليم الخاطئة
بقلم / أحمد مصطفي على






















التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شارك التعليقات