الرئيسية » من هنا وهناك » قراءة الموضوع
الثورات العربية .. ربيع لهذا و إعصار على ذاك
” الربيع العربي ” و ” الإعصار العربي ” إسمان لمسمًى واحد .. إنه ” الثورات العربية “. ربيع بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني التجدد و الحيوية و الصفاء و إعصار بكل ما تحمله هذه الأخرى من معاني الإجتثات و الرعب و الفزع والزوبعة و الفوضى. لكن لكل إسم معنيوه حيث أن نفس الثورات كانت ربيعا لهذا و إعصارا على ذاك، ربيعا للشعوب الثائرة الساعية للتحرر و الإنعتاق و إعصارا على أفراد و مجموعات من الداخل و الخارج ، بل و دُول ، تضرَّرت أشد الضرر من هذه الموجات الثَّوَرَاتية التي اجتاحت بعض البلدان العربية ويمكن أن يكون إعصارا حتى على تلك الشعوب الثائرة نفسِها – لا قدر الله – إذا ما توفرت شروط ٌو ظروفٌ سيأتي بيانها لاحقا.
(أ)
بعد عقودٍ متتاليةٍ من الإستعمار الخارجي المباشر و الغير مباشر ومن الإستبداد الداخلي الذي تلاه، قٌدِّرَ لشعوبِ الأمَّة أن تصحو و تعي بأن كاهلها مثْقَلٌ أكثرَ من اللازمِ بشوائب الظلم و الطغيان و بأنه آن الأوانُ للتحررِ و الإنعتاق. هذه الطفرة السياسية الإجتماعية ليست وليدة أيام و أسابيع، فقد تنبأ بذلك أكثر من واحد، ليس تكهنا و استعلاما بالغيب و إنما اعتمادا على معطيات ملموسة تمت قراءتها في العمق..إنها ” لم تنتج عن فراغ ولا يمكن عزلها عن الحقائق الإقتصادية و المحيط الجيوستراتيجي “- طارق رمضان: من مقال ((Moyen-Orient : Indépendance et dépendance. إن ثمتَ تراكمات اجتماعية و سياسية واقتصادية ظلت تتكاثف عبر الزمن حتى جاءت الشرارة التي ولدت ذاك الإنفجار التاريخي و بدأت معه كتابة تاريخ عصر جديد للأمة. ولابد للإشارة هنا أن هذه الثورات سخرت لنفسها أهم وأحدث ما حققته الثورة التكنولوجية والمعلوماتية في العصر الحديث وهذا من بين المميزات الكثيرة و الفريدة التي تشكل نقط اختلاف بينها و بين سابقتها من الثورات عبر التاريخ.
(ب)
لقد هبت نسائم الربيع العربي و حملت معها بشائر النصر و الحرية و التغيير الذي طالما ناشدته شعوب ذاقت الأمرين تحت وطأة استبداد دام عقودا ليست باليسيرة. فما لبثت تحتفل بانتصاراها على المستعمر الغربي ، معتقدة بذلك أنها حققت التحرر وكسرت كل القيود، حتى وجدت نفسها (الشعوب) مكبلة بقيود أكثر ضيقا و صلابة إذ سلبت منها حرياتها المدنية و السياسية و نهبت ثرواتها الإقتصادية وانتهكت حقوقها الأساسية ولا من يحرك ساكنا من هؤلاء الغربيون أو المتغربون الذين طالما تبجحوا بالديموقراطية و الدفاع عن حقوق الإنسان. ولكن أخيرا جاء الوقت الذي وعت فيه هذه الشعوب ألاَّ أحد غيرها سيحررها من كل أشكال الظلم الذي تعانيه و أقلٌّها سلب إرادتها في كل مناسبة إنتخابية و حريتها في التعبير و إثقال ظهرها بالأسعار الملتهبة و الضرائب المجحفة و تعدى الطغاة ذلك أبعد الحدود فباعوا سيادة وكرامة أوطان هذه الشعوب للأعداء بعرض من الدنيا قليل حتى أصبح يضرب المثل بالعرب عند الحديث عن الذل و الخنوع و الهوان. وفعلا جاء الوقت لقول “لا” لكل هذا و ذاك .. جاء الوقت للتذكير و التأكيد على أن الأوطان للشعوب كلها و ليست ملكا لفرد أو جماعة و أن من أراد أن يتحدث باسم هذه الشعوب يجب أن يحترم إرادتها و حقوقها لا أن يبيعها أو يقفز عليها.
فكيف يقبل المصريون بالطاغية حسني مبارك و خلانه و هم الذين باعوا بلاد الكنانة و معها الوطن العربي بكامله لأمريكا و إسرائيل و زوروا الإنتخابات و سجنوا و عذبوا النخب الوطنية من أجل الإبقاء على كراسيهم عقودا وراء عقود؟ وكيف يقبل التونسيون بالدكتاتور بن علي و هو الذي جيش نصف شعبه ضد النصف الآخر و سلب حريتهم و أجبرهم على التعلمن المتطرف و قمع خصومه الذين عاشوا تحت وطأة نظام بوليسي فريد من نوعه؟ وإلى متى يصبر الليبيون على حاكم متكبر مصاب بمرض مزمن إسمه “حب السلطة” و هو الذي خزن ملايير الدولارات في بنوك أجنبية وحكم ليبيا بلا قانون و لا مؤسسات فلا مرجع إلا الكتاب الأخضر الذي جمع فيه ترهاتٍ و خزعبلاتٍ أضحكت الصبيَ قبل الراشد؟ ومتى يعيش اليمنيون تحت نار الفساد السياسي و المالي الذي يدَّبره علي عبد الله صالح و عملاءه و تحت نار القبلية المتعصبة التي ردَّت الأخَ عدواً و إلى متى تظل اليمن تتصدر بلدان الجهل و الفساد و الحروب الأهلية؟ هل يقبل السوريون أن يُصَّوروا للعالم على أنهم يعيشون في هناء و هم الذين نهب نفطهم و سلبت حريتهم من طرف آل الأسد و آل مخلوف و جُعلوا دمًى في يد إيران؟ كل هذا ،وأكثر، عانت منه هذه الشعوب لعقودٍ طويلة فأبت أن تستمر هذه المأساة..فلِمَ استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم؟؟؟
(ج)
إن الثورات العربية كشفت أن كل الأنظمة الساقطة و الآيلة للسقوط كانت تلبس قناع القومية و الوطنية و الممانعة لتتستر على فضائحها، فما إن جاءت الثورات حتى أبانت عن حقيقتها و عن مدى حقدها على شعوبها وتربصها بها من دون استحياء ، فانهارت كل المبادئ التي يتبجحون بها في المناسبات
الوطنية و اللقاءات الإعلامية و المحافل الإقليمية و الدولية. لقد عاشت الشعوب و معها العالم في هذا الربيع العربي صدمة حقيقية وهي تستكشف بواطن أنظمة سادت عليها لعشرات السنين، أضف إليها صدمة التواطئ الخارجي مع هذه الأنظمة.
ولعل هذا الإعصار العربي الذي اجتث (نسبيا) ثلاث أنظمة استبدادية (و البقية في الطريق) هو نفسه الذي زعزع كل المخططات الغربية المطبوخة في غرف مغلقة و التي ما لبثت ترسم المستقبل الجيوسياسي و الإقتصادي و العسكري للمنطقة العربية و الإسلامية ، في إطار “مشروع الشرق الأوسط الجديد” و “مشروع إسرائيل الكبرى” و غيرها من المشاريع و البروتوكولات، حتى صدمت بمعطيات لم تضعها في الحسبان لأنها كانت تعتقد أن شرائها لأنظمةٍ سياسيةٍ إستبداديةٍ يعني شراءَ ذممِ شعوبها..فالحقيقة عكس ذلك!!
فأوباما الذي خدر الأنظمة العربية بخطابه التاريخي في مصر أخطأ حساباته حينما خلط بين الشعوب و الأنظمة فكانت النتيجة أن اِنضاف الإعصارُ العربي للإعصار الإقتصادي (أزمة الديون) و الإعصار السياسي (الخلاف الديموقراطي-الجمهوري) و الإعصار المناخي (أيرين) و اتحدت الأعاصير لتبعثر أوراقه و أوراق اللوبيات التي تدعمه حتى باتت مواقف بلده تجاه ما يجري إما غامضة أو فضفاضة. ورغم ذلك فهو لم يعلن صراحة عن تخوفه من دمقرطة المنطقة كما فعل أسياده في إسرائيل، هذه الأخيرة التي تزداد عزلتها منذ أن بدأت الحرب على غزة فمصر حسني مبارك البارُّ انتهت، و كل الإحتمالات واردة بما فيها مراجعة المعاهدات و ربما إلغاؤها. أما باقي القوى – خصوصا الدول الأروبية و روسيا و الصين – فيتضح أن المصالح الإقتصادية هي التي توجه مواقفها التي تتسم بالنفاق و الإزدواجية و أحيانا بالغموض.
و أخير، ربما نتفاءل و نقول أن موازين القوى ستُغيِّر من مركز ثقلها لصالح العرب و المسلمين إذا استمرت موجات الإصلاح و التغيير و بوثيرة متسارعة (ولا يعني هذا التغير لصالحها بالضرورة قيادة العالم، فهذا يتطلب مزيدا من الوقت، و إنما لأَنْ تكونَ لهم مكانة مهمة بين الشعوب غير تلك التي هم عليها الآن)، لكن في نفس الوقت لا بد من التخوف و أخذ الحيطة و الحذر حتى لا ينقلب الربيع إعصارا على الشعوب ذاتها و هو أسهل ما يكون فالهدم دائما أسهل من البناء. أولا لأن كل القوى المهددة بهذه الموجات الإصلاحية و على رأسها إسرائيل و أمريكا لن تقف موقف المتفرج لأن هناك مساس ب”المصير” فستظل تنخر من الداخل و تضغط من الخارج حتى تجهض هذه الثورات المباركة. وكذلك الأنظمة التي سقطت و التي ستسقط ستتولد لديها أفعال اِنتقامية عاجلا أو أجلا. هنا المشكل فما الحل؟ .. لا بد أن تؤمن الشعوب الثائرة بأن مصيرها ما زال بين يديها وما زالت لديها الفرص الكاملة لترسم مستقبلها وحدها و هذا لا يستلزم أكثر من فرض رقابة ذاتية لمكاسب الثورات ليس بالضرورة في الإستمرار في الفعل الثوري و إنما بأليات قانونية و مؤسساتية منظمة وواضحة تفاديا للفوضى و كذا استئشصال كل جدور الأنظمة المخلوعة حتى لا تتكون هناك خلايا نائمة ، دون إغفال رفض أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية لهذه البلدان كيفما كان، لأن لديها ما يكفي من النخب و الكفاءات في كل المجالات لبناء دول ديموقراطية مستقلة.
بقلم: مبارك أصفَّار






















التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شارك التعليقات